تستعرض لورا بانزا، أستاذة في جامعة ملبورن، كيف فجّرت حرب أكتوبر 1973 واحدة من أعنف أزمات الطاقة في القرن العشرين، حين قررت دول عربية منتجة للنفط خفض الإنتاج ووقف التصدير للدول الداعمة لإسرائيل. أدّى هذا القرار إلى قفزة حادة في الأسعار خلال أشهر قليلة، فارتفع سعر النفط إلى أربعة أضعاف، وانقلب الاستقرار الطويل في الأسواق إلى نقص حاد واضطراب واسع.
توضح تقارير ذا كونفرزيشن أن العالم واجه آنذاك مشهدًا غير مألوف: محطات وقود فارغة، وطوابير طويلة من السيارات، وساعات انتظار تحوّلت إلى تكلفة اقتصادية إضافية. فرضت بعض الدول قيودًا صارمة على الاستهلاك، مثل تقنين الوقود وربط توزيعه بأرقام لوحات السيارات، بينما لجأت دول أوروبية إلى إجراءات استثنائية كمنع السيارات أيامًا محددة وخفض السرعات لتقليل الاستهلاك.
تحوّل موازين القوة في سوق الطاقة
غيّر تراجع الإنتاج الأميركي في أوائل السبعينيات قواعد اللعبة. فقدت الولايات المتحدة دور “المنتج الاحتياطي” القادر على زيادة الإمدادات عند الأزمات، ما جعل السوق أكثر هشاشة. في المقابل، عززت دول الشرق الأوسط نفوذها عبر تنسيق الإنتاج داخل منظمة أوبك، فباتت تتحكم بدرجة أكبر في الأسعار والإمدادات.
زاد الوضع تعقيدًا مع انهيار نظام “بريتون وودز” عام 1971، الذي كان يربط العملات بالدولار ويحدّ من التضخم. أدى هذا الانهيار إلى ارتفاع أسعار السلع، بما فيها النفط، حتى قبل بدء الحظر. تداخلت هذه العوامل معًا لتصنع صدمة اقتصادية أعمق وأطول تأثيرًا.
التضخم يشتعل والنمو يتباطأ
دفع ارتفاع أسعار النفط تكاليف النقل والكهرباء والإنتاج إلى الصعود، فانعكس ذلك مباشرة على أسعار السلع والخدمات. سعت الشركات إلى نقل هذه الزيادات إلى المستهلكين، بينما طالب العمال بزيادات في الأجور لحماية مستوى معيشتهم. ساهمت النقابات القوية في فرض زيادات كبيرة، ما غذّى حلقة تضخمية متصاعدة.
أدّى الخوف من نقص الإمدادات إلى سلوك تخزيني واسع، حيث سارعت الشركات والأفراد إلى شراء كميات إضافية، فقلّ المعروض وارتفعت الأسعار أكثر. في الوقت نفسه، تراجع الإنتاج الصناعي وارتفعت البطالة وانخفض الاستثمار.
نتج عن ذلك ظاهرة “الركود التضخمي”، حيث اجتمع ارتفاع الأسعار مع ضعف النمو الاقتصادي، وهي حالة أربكت صناع القرار لسنوات. حاولت الحكومات احتواء الأزمة عبر فرض سقوف للأسعار أو تقنين الاستهلاك، لكن النتائج جاءت محدودة.
البنوك المركزية بين خيارين صعبين
واجهت البنوك المركزية معضلة معقدة: رفع أسعار الفائدة قد يخفف التضخم، لكنه يهدد بتعميق الركود. خفّض الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الفائدة لدعم الاقتصاد، إلا أن هذه الخطوة ساهمت في زيادة التضخم بدل احتوائه.
أدى هذا التردد إلى ترسيخ ما يُعرف بـ”توقعات التضخم”، حيث يرفع الناس والشركات الأسعار والأجور استباقًا، فيتحول التضخم إلى ظاهرة ذاتية الاستمرار. استمر هذا الوضع لسنوات، ما جعل السبعينيات عقدًا صعبًا اقتصاديًا.
هل تغيّر العالم اليوم؟
تبدو الاقتصادات الحديثة أكثر استعدادًا لمواجهة صدمات مماثلة. تمتلك البنوك المركزية اليوم أدوات أوضح ومصداقية أعلى في مكافحة التضخم، كما انخفض اعتماد الاقتصاد العالمي على النفط مقارنة بالماضي. تشير التجارب الحديثة، مثل تداعيات الحرب في أوكرانيا، إلى قدرة أكبر على امتصاص الصدمات دون الانزلاق إلى ركود عميق.
مع ذلك، لا تختفي المخاطر. تعيد التوترات الحالية، خاصة في مضيق هرمز، إلى الأذهان هشاشة إمدادات الطاقة. يرفع أي اضطراب في هذا الممر الحيوي أسعار النفط سريعًا، ما يخلق ضغوطًا جديدة على الاقتصاد العالمي.
في المقابل، قد تحمل الأسعار المرتفعة جانبًا إيجابيًا، إذ تشجّع الاستثمار في الطاقة المتجددة وتسريع التحول نحو مصادر أنظف. يفتح هذا التحول بابًا لإعادة تشكيل منظومة الطاقة عالميًا.
الدرس الأهم: البيئة الاقتصادية تصنع الفرق
تؤكد التجربة التاريخية أن حجم الصدمة وحده لا يحدد آثارها، بل تلعب البيئة الاقتصادية دورًا حاسمًا. ساهم الاعتماد الكبير على النفط، وجمود الأجور، وضعف السياسات الاقتصادية في تضخيم أزمة السبعينيات.
اليوم، تقف الاقتصادات على أرض أكثر صلابة، لكنها لا تزال عرضة لعدم اليقين. يظل طول أمد الأزمات وطبيعة الاستجابة لها عاملين حاسمين في تحديد النتائج.
في النهاية، لا تمنحنا الأحداث الماضية تنبؤًا دقيقًا بالمستقبل، لكنها توفّر عدسة لفهم الحاضر. تكشف صدمة السبعينيات أن الأزمات لا تأتي فقط من حجم الخلل، بل من الطريقة التي يستقبل بها النظام الاقتصادي ذلك الخلل، وكيف تتفاعل معه التوقعات والسياسات.
https://theconversation.com/this-is-how-the-1970s-oil-shock-played-out-there-are-lessons-for-the-economy-today-278876

